لغز أزمة السيولة النقدية في سوريا
خاص – نبض الشام
منذ أشهر طويلة وسوريا تعيش على وقع أزمة مالية خانقة، لا تتعلق بانهيار قيمة الليرة فحسب، بل بشح السيولة النقدية نفسها. فالمواطن السوري بات عاجزاً عن الوصول إلى أمواله المودعة في البنوك، والمصارف المحلية تقف بدورها مكتوفة الأيدي أمام نقص حاد في الكتلة المتداولة من العملة الوطنية.
أين ذهبت الكتلة النقدية؟
البيانات الرسمية من المصرف المركزي شبه غائبة، ما جعل متابعة حركة النقد داخل السوق أمراً بالغ الصعوبة. ورغم التقديرات التي تشير إلى ضخ ما يقارب ثلاثين ألف مليار ليرة خلال السنوات الماضية، إلا أن هذه الأموال لم تعد متاحة لا في التداول الشعبي ولا في البنوك. البعض يربط الأمر بعمليات تهريب واسعة إلى دول الجوار مثل لبنان وتركيا، بينما يرى آخرون أن قسماً كبيراً من الأوراق النقدية تالف أو مسحوب من السوق من دون إعلان واضح.
آثار الأزمة
تداعيات هذه الأزمة لا تنحصر في المؤسسات المالية، بل تضرب بشكل مباشر في معيشة الناس. فالأسر التي تعتمد على رواتب ثابتة تواجه صعوبة في تأمين الحاجات الأساسية، وتلجأ إلى بيع ما تملك من ممتلكات صغيرة لمواجهة تكاليف المعيشة. وفي الوقت ذاته، فقد المواطن ثقته بالنظام المصرفي بعدما تحولت عمليات السحب إلى مسألة شبه مستحيلة. وإلى جانب ذلك، ساهمت سياسة الطباعة غير المدعومة بإنتاج فعلي في تضخم غير مسبوق، جعل من الليرة السورية أداة عاجزة عن حفظ القيمة، بل مجرد وسيط للتداول يفقد قدرته الشرائية باستمرار.
عجز التفسيرات الدولية
المفارقة أن المؤسسات المالية الدولية مثل البنك الدولي لم تستطع تقديم تفسير مقنع لاختفاء السيولة. فالتقديرات الرسمية أشارت في عام 2023 إلى أن حجم المعروض النقدي يعادل قرابة 39 ألف مليار ليرة، أي نحو خمس الناتج المحلي الإجمالي، ومع ذلك يبقى المواطن غير قادر على الحصول على سيولة تكفيه ليوم واحد. هذه الفجوة بين الأرقام والواقع تكشف أن هناك عوامل غير معلنة تتعلق بتوزيع النقد بين مناطق النفوذ المختلفة، أو بوجود نفقات حكومية خارج البيانات الرسمية، أو حتى بعمليات تهريب وهروب لرؤوس الأموال.
إمكانات الحل
المخرج من هذه الدوامة يبدأ أولاً بالشفافية، عبر نشر بيانات نقدية دقيقة تسمح للباحثين والمواطنين بفهم أين تذهب الأموال. كما أن وقف الاعتماد على التمويل بالعجز، وإيجاد بدائل حقيقية لزيادة الإيرادات، يعد شرطاً ضرورياً للحد من التدهور. ولا بد من إعادة هيكلة القطاع المصرفي بحيث يستعيد دوره الطبيعي في تأمين السيولة، إضافة إلى تشديد الرقابة على حركة الأموال عبر الحدود لمنع تهريب الكتلة النقدية إلى الخارج.
تجاوزت أزمة السيولة النقدية في سوريا حدود كونها مجرد خلل مالي لتتحول إلى معضلة تمس الاستقرار الاجتماعي برمته. فغياب النقد من أيدي الناس، في ظل تضخم مستعر وانكماش اقتصادي، لا يترك أمام الأسر سوى خيارات قاسية. وإذا لم تتمكن السلطات من كشف مصير الكتلة المفقودة ووضع خطط عملية لمعالجة الخلل، فإن السؤال سيبقى معلقاً: كيف يمكن لبلد أن يطبع المليارات ثم يختفي أثرها في الأسواق؟ هذا اللغز هو ما سيحدد مصير الاقتصاد السوري في المرحلة المقبلة.
“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”




